فخر الدين الرازي

57

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل ؛ لأن قوله : أَمْوالَكُمْ يدخل فيه القسمان معا ، كقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه بالباطل . أما أكل مال نفسه بالباطل . فهو إنفاقه في معاصي اللَّه ، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه . ثم قال : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : تِجارَةً بالنصب ، والباقون بالرفع . أما من نصب فعلى « كان » الناقصة ، والتقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة ، وأما من رفع فعلى « كان » التامة ، والتقدير : إلا أن توجد وتحصل تجارة . وقال الواحدي : والاختيار الرفع ، لأن من نصب أضمر التجارة فقال : تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة ، والإضمار قبل الذكر ليس بقوي وإن كان جائزا . المسألة الثانية : قوله : إِلَّا فيه وجهان : الأول : أنه استثناء منقطع ، لأن التجارة عن تراض ليس من جنس أكل المال بالباطل ، فكان « إلا » هاهنا بمعنى « بل » والمعنى : لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض . الثاني : ان من الناس من قال : الاستثناء متصل وأضمر شيئا ، فقال التقدير : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، وإن تراضيتم كالربا وغيره ، إلا أن تكون تجارة عن تراض . واعلم أنه كما يحل المستفاد من التجارة ، فقد يحل أيضا المال المستفاد من الهبة والوصية والإرث وأخذ الصدقات والمهر وأروش الجنايات ، فان أسباب الملك كثيرة سوى التجارة . فان قلنا : إن الاستثناء منقطع فلا إشكال ، فإنه تعالى ذكر هاهنا سببا واحد من أسباب الملك ولم يذكر سائرها ، لا بالنفي ولا بإثبات . وإن قلنا : الاستثناء متصل كان ذلك حكما بأن غير التجارة لا يفيد الحل ، وعند هذا لا بد إما من النسخ أو التخصيص . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمة اللَّه عليه : النهي في المعاملات يدل على البطلان ، وقال أبو حنيفة رضي اللَّه عنه : لا يدل عليه ، واحتج الشافعي على صحة قوله بوجوه : الأول : أن جميع الأموال مملوكة للَّه تعالى ، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التصرفات كان ذلك جاريا مجرى ما إذا وكل الإنسان وكيلا في بعض التصرفات ، ثم إن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول الموكل فذاك غير منعقد بالإجماع ، فإذا كان التصرف الواقع على خلاف قول المالك المجازي لا ينعقد فبأن يكون التصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي غير منعقد كان أولى . وثانيها : أن هذه التصرفات الفاسدة إما أن تكون مستلزمة لدخول المحرم المنهي عنه في الوجود ، وإما أن لا تكون فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياسا على التصرفات الفاسدة . والجامع السعي في أن لا يدخل منشأ النهي في الوجود ، وإن كان الثاني وجب القول بصحتها ، قائسا على التصرفات الصحيحة ، والجامع كونها تصرفات خالية عن المفسد ، فثبت أنه لا بد من وقوع التصرف على هذين الوجهين . فأما القول بتصرف لا يكون صحيحا ولا باطلا فهو محال ، وثالثها : أن قوله : لا تبيعوا الدرهم بدرهمين ، كقوله : لا تبيعوا الحر بالعبد ، فكما أن هذا النهي باللفظ لكنه نسخ للشريعة فكذا الأول ،